المشككون فى الأرض

المشككون فى الأرض
المشككون فى الأرض
" اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى" مثل شعبي ينطبق بحذافيره على ما نشاهده اليوم من حملة  تشكيك تكاد تكون ممنهجة  فى ثوابتنا ورموزنا الوطنية والتاريخية، بقيادة المشكك الأول الكاتب يوسف زيدان. ولا أدرى ما الهدف من وراء ذلك إلا محاولة الشهرة بالوقوف أمام التيار أو ربما انتظارا لجائزة  نوبل مثلا!  وليس التشكيك  قاصرا  على ما جادت به قريحة يوسف زيدان من تشويه أبطال تاريخيين مثل صلاح الدين الأيوبي وأحمد عرابي، وإنما ينسحب أيضا على من يشككون فى قدرة جيشنا الباسل على مواجهة الإرهاب فى  صحراء سيناء. فالبعض بدأ  يسرب إلى آذاننا فكرة أن سيناء  عادت محتلة بعد أن تركتها إسرائيل، ولكن هذه المرة من أبنائها أنفسهم. وهو أمر يثير الأسف والأسي على ما آل إليه الخطاب غير الوطني الذى وجد فى وسائل التواصل الاجتماعي أرضا خصبة له.
 وأكثر ما يثير الألم أن تجد بعض برامج الفضائيات فرصة لها لكسب مزيد من الإعلانات بطرح القضايا الجدلية وكأنها حقائق ثابتة. فيستضيف عمرو أديب الكاتب يوسف زيدان الذى نصب نفسه مؤرخا دون أن يحمل مؤهلات المؤرخ، الذى يجب  أن يستند دائما إلى الوثائق المثبة  ويتحدث بلغة رجال العلم وليس بألفاظ شوارعية مثل "صلاح الدين أحقر رجل فى التاريخ" أو "أحمد عرابي مجرد فأر يسعى للحكم وهو غير مؤهل له". وهي كلها افتراءات مردود عليها فى عشرات الكتب، اخترت منها أربع روايات مهمة تثبت أن أحمد عرابي واجه الخديوي توفيق على ظهر حصانه فى ميدان التحرير عكس ما يدعيه يوسف زيدان، بل وإبراهيم عيسي.
الرواية الأولى : مذكراتي في نصف قرن، أحمد شفيق باشا طبعة قصور الثقافة 2013، الجزء الأول، صـ 120.
الرواية الثانية : الكافي تاريخ مصر القديم و الحديث، ميخائيل شاروبيمطبعة دار الكتب و الوثائق القومية 2012، الجزء الرابع، صـ 442-443
الرواية الثالثة: مصر للمصريين، سليم النقاشطبعة الهيئة العامة للكتاب 1998، الجزء الرابع، صـ 92-93
الرواية الرابعة: مصر الحديثة، اللورد كرومر ينقل رواية السير أوكلاند كولفن المراقب الإنجليزي.
طبعة المركز القومي للترجمة 2014، الجزء الأول،صـ 259-260.
 وكلها تقر بأن "عرابي بك وصل على ظهر حصانه، وطلب منه الخديوي النزول. فترجل عرابي عن حصانه، وتقدم نحو الخديوي ماشيًا على قدميه، مع حرس كبير شاهرين حراب بنادقهم". الأمر الذى  لم ينفه أيضا المؤرخ الكبير الدكتور يونان لبيب رزق.
وبدلا من أن يناقش عمرو أديب ضيفه يوسف زيدان فى مثل هذه الوثائق التى تنفي ادعاءاته عن صلاح الدين أو أحمد عرابي أو حتى عن أشرف مروان، فإنه يستضيفه هذه المرة ليناقش  كتاب "فجر الضمير" الذى كتبه جيمس هنرى برستيد عام 1934 . ورغم أن الكتاب فى مجمله يشيد بالحضارة المصرية القديمة باعتبار أنها هي التى شكّلت الضمير الإنساني، الأمر الذى قد يسعد أي مصري ويشعره بالفخار، فإنه فى تقديرى مبني على  فرضية  مغلوطة. فالضمير الإنساني جزء بشري أصيل منذ خلق آدم. فها هو قابيل الذى قتل أخاه هابيل يشعر بالندم ووخز الضمير حين رأي الغراب يوارى سوءة أخيه.
 والكتاب بحد ذاته يحوى تصورا شاملا للحضارة المصرية القديمة ونشأتها وأبرز مقومات هذه الحضارة هى الأخلاق أو الضمير، وقد ذهب بريستد إلى  أن ضمير الإنسانية بدأ فى التشكل فى مصر قبل أى بلد فى العالم ، وذلك منذ نحو 5000 عام. أما مترجم هذا الكتاب المذهل الدكتور سليم حسن عميد الأثريين المصريين – صدرت الترجمة سنة 1956 – فيقول فى تقديمه عن فجر الضمير إنه كتاب «يدلل على أن مصر أصل حضارة العالم ومهدها الأول ، بل فى مصر شعر الإنسان لأول مرة بنداء الضمير، فنشأ الضمير الإنسانى بمصر وترعرع، وبها تكونت الأخلاق النفسية". وهو كلام جميل، ولكنه يغفل حقيقة أن الضمير الإنساني جزء لا يتجزأ من تركيبة البشر منذ بدء الخليقة. ولكن السؤال  الأهم هو لماذا يصر عمرو أديب على استضافة يوسف زيدان لمناقشة هذا الكتاب أيضا؟ وهو الذى بات رمزا للتشكيك فى الثوابت  والرموز الوطنية ، بل وفى الأديان ذاتها؟!
 

مقالات قد تعجبك